عبر وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول الجاري عن أسفه لرد إسرائيل على إعلان بريطانيا نيتها فرض عقوبات بشأن الاستيطان غير المشروع في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدا تمسك بلاده بموقفها الذي قال إنه يدعو "للفخر".
وفي تصريحات لشبكة "سكاي نيوز" البريطانية أقر ميليباند بأنه ستكون هناك "أضرار" في العلاقات بين بريطانيا والسلطة الفلسطينية بسبب قرار إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، غير أنه أكد أن حكومته "وازنت بين التكاليف والفوائد مسبقا".
"هذا هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله"، بهذا الاستنتاج ختم الوزير البريطاني مقابلته تجاه حكومة يمينية إسرائيلية متطرفة لم يعد لديها أي مشروع سوى الاستمرار في القتل والإبادة، وفتح الحروب على أكثر من جبهة ظنا أن في هذا خلاصها، باعتبار أن التخلص من عقدة الثمانين عاما التي تراود كل إسرائيلي يتطلب إزالة التهديد الوجودي.
سابقا، كان هاجس الكيان يتمثل في أعداد اليهود مقابل أعداد الفلسطينيين المتزايدة؛ ولذلك كانت الحكومات المتعاقبة تعمد إلى استغلال الحروب في العالم لحث اليهود على تكثيف الهجرة إلى إسرائيل، ومن ثم إعادة توزيعهم بما يتناسب مع تفوق أعداد الفلسطينيين في كل محافظة
تأخر ميليباند في استنتاج ذلك، رغم أن بلاده لعبت الدور الرئيس في تمهيد الطريق لإصدار قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947 الداعي للاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة ذات كيان. لقد كان عليه أن يقرأ جيدا تاريخ العصابات الصهيونية وكيف تعاملت مع سلطات بلاده، عندما قامت بسلسلة من التفجيرات لمقرات تابعة لسلطة الانتداب البريطاني في فلسطين، وكان أضخم هذه العمليات تلك التي وقعت في 22 يوليو/تموز 1946 في فندق الملك داود بهدف طردها من فلسطين المحتلة.
ليست القطيعة الدولية -وتحديدا مع أبرز حلفاء إسرائيل: فرنسا وبريطانيا- هي المعضلة التي تعترض هذا الكيان، رغم تأثيرها بصورة رئيسة في مستقبله في ظل قيادة متطرفة لا تعرف كيف تنهي حروبها.
ففي الوقت الذي تعمل إسرائيل والولايات المتحدة على تقويض المحور المتمثل في إيران ووكلائه في المنطقة، تجد حكومة بنيامين نتنياهو نفسها أمام محاور جديدة لا تتوقف عند المواقف العربية التي لن تساوم على حل الدولتين، بل أمام حلف جديد يعارض مشروعها التوسعي ويتمثل في "اتفاق مكة" بين ثلاث دول تتميز بقوتها النووية والاقتصادية والعسكرية ليضع نتنياهو أمام خطر المواجهة الإقليمية الكبرى.
لا يقف المتابع للشأن الداخلي الإسرائيلي عند نتائج انتخابات الكنيست المزمع إجراؤها في أكتوبر/تشرين الأول المقبل حيث المنافسة ليست بين يمين متطرف ووسطي فحسب، بل يقف أمام خطر مستجد متمثل في التبدل الديمغرافي داخل الكيان. إذ شهد المجتمع الإسرائيلي في العقدين الأخيرين تحولات ديمغرافية عميقة قد تكون أكثر تأثيرا في مستقبل الكيان من التبدلات السياسية أو الأمنية أو نتائج الانتخابات المتعاقبة.
سابقا، كان هاجس الكيان يتمثل في أعداد اليهود مقابل أعداد الفلسطينيين المتزايدة؛ ولذلك كانت الحكومات المتعاقبة تعمد إلى استغلال الحروب في العالم لحث اليهود على تكثيف الهجرة إلى إسرائيل، ومن ثم إعادة توزيعهم بما يتناسب مع تفوق أعداد الفلسطينيين في كل محافظة؛ وقد لعبت الوكالة اليهودية التي تأسست رسميا عام 1929 دورا في هذا الخصوص.
أمام هذا الواقع المختلف، أصبح الأمريكي الداعم المطلق لإسرائيل يشعر بأن حكومة اليمين المتطرف المتمثلة في نتنياهو تشكل عبئا ليس على علاقات البلاد الخارجية فحسب، بل على صعود قطب يساري قومي يحمل القضية الفلسطينية عنوانا لحملاته الانتخابية أيضا
لا يزال الهاجس الديمغرافي قائما اليوم، لكنه "تصهين" وأصبح يتوقف عند الفارق في العدد داخل فئات المجتمع الإسرائيلي ذاته، إذ يكمن التطور في استمرار النمو السكاني للمجتمع الحريدي المتطرف الذي يسجل، بحسب الإحصاءات، أعلى معدلات النمو بين المكونات السكانية اليهودية، مدفوعا بارتفاع الخصوبة وصغر متوسط العمر.
إذ تشير الدراسات الديمغرافية الإسرائيلية إلى أن نسبة الحريديم مرشحة لمواصلة الارتفاع خلال العقود المقبلة، مما يجعلهم أحد المكونات المركزية في المجتمع الإسرائيلي في السنوات القليلة المقبلة.
هذا الارتفاع في النسب المئوية لصالح اليمين المتطرف يتأثر أيضا بالحروب المستمرة التي تتعمدها حكومة نتنياهو؛ إذ تدفع هذه الحروب بهجرة معاكسة إلى خارج إسرائيل، قدرتها إحدى الدراسات بنحو 268 ألف إسرائيلي خلال المدة الممتدة بين عامي 2023 و2025، ومعظمهم من النخب المتعلمة والمتخصصة الأقل تطرفا، مما يجعل إسرائيل بلدا أكثر تطرفا يعيش ضمن شرنقة حلمه بناء الدولة الإسرائيلية الكبرى التي تحدث عنها نتنياهو في أكثر من مناسبة.
تشهد دولة إسرائيل عزلة متزايدة في محيط يشهد انفتاحا وتلاقيا وإصرارا على التمسك بحق الفلسطينيين في بناء دولتهم، بالتزامن مع صعود رأي عام دولي قادر على التمييز بين الأعمال العدائية للعدو الإسرائيلي والدفاع المشروع للفلسطينيين عن أرضهم.
أمام هذا الواقع المختلف، أصبح الأمريكي الداعم المطلق لإسرائيل يشعر بأن حكومة اليمين المتطرف المتمثلة في نتنياهو تشكل عبئا ليس على علاقات البلاد الخارجية فحسب، بل على صعود قطب يساري قومي يحمل القضية الفلسطينية عنوانا لحملاته الانتخابية أيضا، وهو ما بدأت تفرزه الانتخابات التمهيدية النصفية للكونغرس الأمريكي، مما يطرح تساؤلا حول مصير الكيان في ظل صعود اليمين المتطرف: هل ستكون هذه بداية النهاية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

