في الحروب الطويلة، لا تكون الدبلوماسية نقيضا للحرب بالضرورة؛ أحيانا تصبح الدبلوماسية امتدادا للحرب بوسائل أخرى. وهذا تحديدا ما يجعل التحرك الأمريكي الأخير بين موسكو وكييف بالغ الأهمية.
فخلال أيام قليلة، انتقلت واشنطن من قناة استخباراتية شديدة الحساسية إلى قناة سياسية مباشرة. بدأ المسار بزيارة مفاجئة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو، حيث التقى مسؤولين روسا، قبل أن ينتقل الملف إلى المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين التقيا فلاديمير بوتين في موسكو لأكثر من ثلاث ساعات، ثم توجها إلى كييف للقاء فولوديمير زيلينسكي.
هذا التسلسل ليس تفصيلا بروتوكوليا. إنه يشير إلى أن إدارة دونالد ترمب تحاول اختبار إمكانية بناء جسر سياسي بين موقفين لا يزالان متباعدين بصورة كبيرة.
والأهم أن زيارة راتكليف لم تكن منفصلة عن هذا المسار. فقد أشارت تقارير إلى أنه بحث في موسكو إمكانية إعادة إطلاق المفاوضات، بل وطرح فكرة عقد قمة تجمع ترمب وبوتين وزيلينسكي.
روسيا لم تتخل عن مطالبها الأساسية المتعلقة بالأراضي ووضع أوكرانيا الأمني، في حين تعتبر كييف أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية حقيقية قد يكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق حربا أخرى
واشنطن تختبر موسكو وكييف في الوقت نفسه
الانتقال من موسكو إلى كييف يحمل دلالة سياسية واضحة: الولايات المتحدة لا تريد أن تكون مجرد ناقل للرسائل بين الطرفين، بل تحاول أن تصبح مهندسا لمسار تفاوضي جديد.
وهذا ما ظهر في تصريحات كوشنر وويتكوف في كييف، حيث تحدثا عن العودة إلى صيغة المفاوضات الثلاثية، بعدما تعطلت الجهود السابقة. وأكد الجانب الأوكراني أن المحادثات كانت "جوهرية"، بينما تحدث الأمريكيون عن أفكار جديدة وإمكانية استئناف المفاوضات قريبا. لكن هنا تبدأ الصعوبة الحقيقية.
فروسيا لم تتخلَّ عن مطالبها الأساسية المتعلقة بالأراضي ووضع أوكرانيا الأمني، في حين تعتبر كييف أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية حقيقية قد يكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق حربا أخرى.
وهكذا، فإن المشكلة لم تعد في إقناع بوتين وزيلينسكي بالجلوس إلى الطاولة؛ المشكلة هي ماذا سيحدث عندما يجلسان؟
السلام يحتاج إلى أكثر من وقف إطلاق النار
إعلان موسكو هدنة جوية محدودة لمدة 72 ساعة خلال زيارة الوفد الأمريكي قد يبدو للوهلة الأولى إشارة إيجابية. لكنه في الحقيقة يكشف هشاشة الوضع أكثر مما يؤكد قرب السلام. فقد استمر القتال في مناطق أخرى، ولم يتحول التوقف المؤقت إلى وقف شامل لإطلاق النار.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: وقف الضربات، وقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب.
الأول يمكن تحقيقه بقرار سياسي سريع. الثاني يحتاج إلى آلية مراقبة وضمانات. أما الثالث فيتطلب معالجة قضايا الأرض والأمن والسيادة ومستقبل العلاقة بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا. وهذه هي العقدة التي لم تُحل بعد.
الانتقال من موسكو إلى كييف يحمل دلالة سياسية واضحة: الولايات المتحدة لا تريد أن تكون مجرد ناقل للرسائل بين الطرفين، بل تحاول أن تصبح مهندسا لمسار تفاوضي جديد
الشتاء هو الاختبار الحقيقي
قد يكون الشتاء المقبل أكثر أهمية من أي موعد دبلوماسي تعلنه واشنطن.
أوكرانيا تدخل الشتاء وهي بحاجة إلى الدفاع الجوي والطاقة وحماية بنيتها التحتية. وقد ركزت محادثات كوشنر وويتكوف في كييف على الدعم الدفاعي والطاقة و"حزمة الشتاء"، إلى جانب الضمانات الأمنية والاقتصادية.
لكن الشتاء بالنسبة إلى موسكو يمكن أن يكون أداة ضغط أيضا. فاستمرار الضربات على الطاقة والبنية التحتية قد يرفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب على أوكرانيا.
لذلك فإن كل طرف يدخل التفاوض وهو يحاول تحسين موقعه قبل أن تبدأ المساومة الحقيقية.
وهذا يفسر لماذا لا ينبغي تفسير استمرار العمليات العسكرية على أنه دليل على فشل الدبلوماسية. أحيانا تكون العمليات العسكرية جزءا من عملية التفاوض نفسها.
أوروبا الغائب الحاضر
هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله: أوروبا.
أي اتفاق روسي-أوكراني برعاية أمريكية سيعيد رسم الأمن الأوروبي لعقود. ومع ذلك، لا تستطيع أوروبا أن تكون مجرد جهة تموّل أوكرانيا وتتحمل كلفة إعادة إعمارها، بينما تُتخذ القرارات الكبرى بشأن أمن القارة خارجها.
ولهذا فإن إدخال بريطانيا وفرنسا وألمانيا في المشاورات الأخيرة ليس تفصيلا ثانويا. فأي تسوية قابلة للحياة تحتاج في النهاية إلى منظومة ضمانات أوسع من العلاقة الثنائية بين واشنطن وموسكو.
العامل الروسي.. هل يريد بوتين السلام أم شروط السلام؟
السؤال الأكثر حساسية يبقى في موسكو.
قد يكون بوتين مستعدا للتفاوض، لكن التفاوض لا يعني بالضرورة الاستعداد لتقديم تنازلات. روسيا تستطيع استخدام الدبلوماسية لتثبيت مكاسب عسكرية، أو لانتزاع اعتراف سياسي بمناطق سيطرت عليها، أو للحصول على ترتيبات أمنية تمنع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو.
وفي المقابل، تدرك كييف أن توقيع اتفاق ضعيف قد يحول وقف الحرب إلى مجرد تأجيل للصراع.
وهنا تحديدا تظهر أهمية زيارة راتكليف. فإذا كانت واشنطن قد أرادت من القناة الاستخباراتية اختبار نيات موسكو، فإن انتقال ويتكوف وكوشنر إلى المستوى السياسي يعني أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن هناك مساحة، ولو ضيقة، للمساومة. لكن التقارير الأخيرة لا تشير إلى أن موسكو قدمت تنازلات جوهرية بعد.
إذا نجحت واشنطن في تضييق الفجوة حول الأراضي والضمانات الأمنية، فقد تصبح زيارة موسكو-كييف نقطة البداية لمسار ينتهي بوقف إطلاق النار ثم بتسوية تاريخية
نهاية الحرب أم فصل جديد؟
حتى الآن، لا توجد أدلة كافية للقول إن الحرب ستنتهي قبل الشتاء. بل إن زيلينسكي نفسه قال إن استمرارها خلال الشتاء يبدو، في الوقت الراهن، الاحتمال الأرجح. لكن هذا لا يعني أن الدبلوماسية فشلت.
الأرجح أننا أمام مرحلة انتقالية شديدة الحساسية: الولايات المتحدة تحاول تحويل الحرب من مسار عسكري مفتوح إلى مسار تفاوضي، بينما تحاول كل من روسيا وأوكرانيا تحسين شروطهما قبل الوصول إلى الصفقة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إذا نجحت واشنطن في تضييق الفجوة حول الأراضي والضمانات الأمنية، فقد تصبح زيارة موسكو-كييف نقطة البداية لمسار ينتهي بوقف إطلاق النار ثم بتسوية تاريخية.
أما إذا بقيت موسكو متمسكة بأقصى مطالبها، وأصرت كييف على رفض أي تنازل إقليمي من دون ضمانات صلبة، فقد تتحول الدبلوماسية الحالية إلى مجرد استراحة قصيرة قبل تصعيد جديد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنتهي حرب أوكرانيا قبل الشتاء؟ السؤال الأهم هو: هل تستطيع إدارة ترمب أن تجعل السلام أقل كلفة على بوتين وزيلينسكي من استمرار الحرب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون الخريف بداية نهاية أطول حرب أوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن زيارة كوشنر وويتكوف إلى موسكو ثم كييف قد تُقرأ لاحقا لا باعتبارها لحظة السلام، بل باعتبارها آخر محاولة سياسية قبل دخول الحرب فصلا أكثر خطورة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
